ابن هشام الأنصاري

25

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

بهل ( 1 ) ، وأن يكون مجرورها نكرة ، وأن يكون إمّا فاعلا ، نحو : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ

--> - المستفهم ، وكأن قائلا قد قال : هل كان من مطر . فقيل له : قد كان من مطر وكأن قائلا قد قال : هل كان من حديث ! فقيل له : قد كان من حديث ، وهذا تكلف لا نرى لك أن تذهب إليه . وذهب الأخفش والكسائي وهشام إلى أنه تجوز زيادة ( من ) بغير شرط ، فتزاد بعد الإيجاب وبعد النفي ، ويجوز أن يكون مدخولها معرفة وأن يكون نكرة ، ويجوز أن يكون واقعا في أحد مواقع الإعراب التي فصلناها لك فيما سبق ويجوز أن يكون واقعا في غير هذه المواقع . واستدلوا على ذلك بأنها جاءت زائدة ومجرورها معرفة ولم يسبقها نفي أو شبهه في قوله تعالى : لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ * زعموا أن ( من ) في هذه الآية الكريمة زائدة ، وذنوبكم : مفعول به ليغفر ، وهو معرفة لإضافته إلى الضمير ، ولم يتقدم عليه نفي ولا شبهه ، وزعموا أنهم ذهبوا إلى تقدير من زائدة في الآية الكريمة لكي يتطابق معناها مع قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً واستدلوا أيضا بقوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ زعموا أن من زائدة ، وسيئاتكم ، مفعول به ليكفر ، وهذا المفعول معرفة لإضافته إلى الضمير ، ولم يتقدم على « من » نفي ولا شبهه . والجواب عن هذا الاستدلال أنا لا نسلم أن ( من ) في الآيتين الكريمتين زائدة ، بل هي أصلية ، ومعناها التبعيض ، ويدل لصحة ذلك أنك لو قلت : يغفر لكم بعض ذنوبكم ، ويكفر عنكم بعض سيئاتكم ؛ لكان معنى صحيحا لا غبار عليه ، وقولهم أردنا مطابقة الآية لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً قلنا : المدار على ألا يكون بين هذه الآية والآية المستدل بها تناقض ، ولا تناقض على ما ذكرنا من المعنى ، فإن الذي يناقض غفران جميع الذنوب هو عدم غفران شيء منها ، فأما غفران بعضها دون بعض فلا يناقضه ، وما الذي ينكر من أن يكون عمل من أعمال البر في ظرف معين مقتضيا عند اللّه تعالى غفران كل الذنوب ، وعمل آخر من أعمال البر ، أو العمل الأول نفسه في ظرف آخر مقتضيا عنده سبحانه غفران بعض الذنوب لا كلها ، بل هذا الذي نذهب إليه أولى بأن نأخذ به ، لأن أعمال البر ليست كلها سواء ، ولا ظروف المكلفين سواء . ( 1 ) جعل الفارسي الشرط كالنفي ، واستشهد لذلك بقول زهير بن أبي سلمى المزني : ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على النّاس تعلم